
قال رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي الأستاذ الدكتور موسى شتيوي إن التحول الرقمي لا يمثل مجرد تحول تقني في أدوات إنتاج المعرفة وتداولها، وإنما يطرح سؤالا حضاريا حول الدور الذي ينبغي أن تؤديه الجامعة والأكاديمي والمثقف في ظل تنامي حضور الخوارزميات والذكاء الاصطناعي في تحديد ما يقرأه الناس وما يشاهدونه وما يصدقونه.
جاء ذلك خلال كلمته في الجلسة الافتتاحية لندوة "الأكاديميا في العصر الرقمي: من إنتاج المعرفة إلى إعادة تشكيل الوعي العربي"، التي نظمها منتدى الفكر العربي وجمعية الأكاديميين الأردنيين.
وأكد شتيوي أن الحرية الأكاديمية هي شرط أساسي لإنتاج معرفة موثوقة، لافتا إلى أن العصر الرقمي وسّع مفهوم هذه الحرية ليشمل قدرة المعرفة الموثوقة على الوصول إلى الجمهور، وقدرة المواطن على التمييز بين المعلومة والرأي، وبين الدليل والادعاء.
وأضاف أن الجامعة عبر تاريخها قامت على فكرة جوهرية مفادها أن المعرفة لا تزدهر إلا في بيئة تتيح السؤال والحوار والاختلاف في وجهات النظر وإنتاج معارف جديدة، مؤكدا أن ذلك لا يتحقق إلا في ظل تمتع أعضاء الهيئة التدريسية بالمساحة الأكاديمية.
وأكد أن وفرة المعلومات لا تعني بالضرورة وفرة المعرفة، مشيرا إلى الكم الهائل من المعلومات التي تنتج يوميا، في وقت تتراجع فيه القدرة على التمييز بين المعلومات الصحيحة والمضللة، لا سيما في ظل غياب التفكير النقدي والتوثيق العلمي، وهو ما يبرز أهمية الدور الذي تضطلع به الأكاديميا في هذا المجال.
وحذر شتيوي من أن غياب التفكير النقدي والمرجعية العلمية قد يجعل الإنسان أكثر عرضة للتضليل رغم وجوده وسط ملايين المعلومات. مشددا على مسؤولية الأكاديميا في الحفاظ على جودة البحث العلمي ونزاهته، وعدم اختزال دور الجامعة في زيادة عدد المنشورات أو منح الشهادات.
وبين شتيوي أن مسؤولية الجامعة تتجاوز إنتاج المعرفة إلى استعادة موقعها في المجال العام، باعتبارها مؤسسة تفسر الواقع وتقترح البدائل وتساعد المجتمع على فهم القضايا المعقدة بعيداعن الاستقطاب والتبسيط، داعيا إلى إيصال نتائج الأبحاث إلى المجتمع بلغة واضحة ومسؤولة، حتى لا يترك المجال أمام مصادر أقل دقة وأكثر قدرة على الانتشار.
كما دعا إلى التعامل مع الذكاء الاصطناعي والخوارزميات بمنهج يقوم على الفهم النقدي والاستخدام المسؤول، في ضوء ما تثيره هذه التقنيات من قضايا تتعلق بالموثوقية والتحيز والملكية الفكرية وخصوصية البيانات والمسؤولية عن القرار.
ولفت إلى أن التحدي الحقيقي لا يكمن في تعليم الأجيال كيفية استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي فقط، وإنما في تعليمهم متى يثقون بمخرجاتها ومتى يشككون فيها، وكيف يتحققون من مصادرها، مؤكدا الحاجة إلى جيل "لا يستهلك الإجابات، بل يحسن صياغة الأسئلة".
وطرح شتيوي مفهوم "المنعة المعرفية" باعتباره محورا أساسيا في مستقبل المجتمعات العربية، موضحا أنها تعني القدرة على الانفتاح دون الوقوع في التضليل، والاختلاف دون التعصب، وأكد أن هذه المنعة تترسخ من خلال التعليم النوعي، والإعلام المسؤول، والبحث العلمي الحر، وتفعيل المؤسسات الثقافية، وإرساء دعائم التفكير النقدي.
كما أكد شتيوي أن إعادة تشكيل الوعي العربي يتم خلال بيئة متكاملة تشارك في تشكيلها المدرسة والجامعة والأسرة والإعلام والمنصات الرقمية والمؤسسات الثقافية، داعيا إلى شراكة حقيقية بين الجامعات ومراكز الفكر والمؤسسات الثقافية والإعلامية والقطاعين العام والخاص، لتحويل المعرفة الأكاديمية إلى سياسات وممارسات ومحتوى عام قابل للوصول والاستفادة.
و شدد على أهمية تعزيز حضور اللغة العربية في الاقتصاد الرقمي للمعرفة، ودعم الشباب بمهارات التفكير النقدي والتعلم المستمر والإبداع والمسؤولية، مؤكدا أن مستقبل الأكاديميا العربية يتطلب الانتقال من موقع المتلقي للتحول الرقمي إلى موقع المشارك في تشكيله.
واختتم شتيوي كلمته بالتأكيد أن رسالة الجامعة في جوهرها لا تتغير، فهي "البحث عن الحقيقة، وتكوين العقل، وخدمة المجتمع"، إلا أن هذه الرسالة أصبحت أكثر إلحاحا في عصر بات فيه الصراع لا يدور فقط حول امتلاك المعلومات، وإنما حول القدرة على تفسيرها والتحقق منها وتحويلها إلى وعي وقرار.
يذكر أن الندوة تضمنت جلستين رئيسيتين؛ تناولت الجلسة الأولى موضوع «المعرفة الأكاديمية والوعي: الحرية والمسؤولية والمجال العام»، وناقشت العلاقة بين الأكاديميا والحرية الأكاديمية والمسؤولية الأخلاقية ودور الجامعة في المجال العام، بمشاركة عدد من الأكاديميين والباحثين.
أما الجلسة الثانية فجاءت بعنوان «تحولات المعرفة وآفاق المستقبل العربي»، وركزت على التحولات التي أحدثها العصر الرقمي في إنتاج المعرفة ومستقبلها، ودور الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي والتعليم في تشكيل الوعي العربي.
وتخللت أعمال الندوة مناقشات عامة أتاحت للمشاركين والحضور تبادل الآراء حول مستقبل الأكاديميا العربية في ظل التحولات الرقمية المتسارعة، والفرص والتحديات التي تفرضها هذه التحولات.